موريتانيا: الرئيس ودولة القانون رهينتان فيقبضة الإدارة
حوّل قرار مجلس الدولة الفرنسي الصادر في 10 أكتوبر 2025 قضية "ريمكوم" إلى التزام دولي. لم يعد الأمر مجرد نزاع بينشركة ومجموعة محلية، بل أضحى اختباراً لمدى تطابق خطابالجمهورية الموريتانية في المحافل الدولية مع ممارساتها علىأرض الواقع.
هناك انتصارات قضائية لا تُقام لها الاحتفالات، بل تُلزم. لقددخلت قضية "ريمكوم" (RIM Communication) تلك المنطقةالتي لا يُعد فيها التقاعس مجرد "بطء إداري"، بل يتحول إلى"قرار سياسي".
حقائق لا تقبل الجدل
الوقائع ثابتة وتسلسلها يتحدث عن نفسه: في عام 2013، تمتوقيع عقد تفويض خدمة عامة مع مجموعة نواكشوط الحضرية. وفي أغسطس 2014، فُسخ العقد من جانب واحد. اختارت"ريمكوم" طريق القانون، وجاء الرد القضائي حاسماً: المحكمةالإدارية (2015)، محكمة الاستئناف (2018)، المحكمة العليا(فبراير 2020)، ثم المجلس الأعلى للفتوى والمظالم. أربعةمستويات قضائية أجمعت على حكم واحد: فسخ تعسفي، وإدانةنهائية بدفع تعويض قدره 664,959,738 أوقية جديدة.
وأمام تعثر التنفيذ داخلياً، لجأت الشركة إلى القضاء الفرنسياستناداً إلى اتفاقية التعاون القضائي الفرنسي-الموريتاني لعام1962. وفي 10 أكتوبر 2025، منح مجلس الدولة الفرنسي (رقم493788) صيغة التنفيذ (Exequatur)، مما جعل الأحكامالموريتانية قابلة للتنفيذ فوق الأراضي الفرنسية.
لم يعد نزاعاً محلياً، بل أصبح التزاماً دولياً.
وهنا يطرح السؤال الوحيد الذي يهم: ماذا تفعل الدولةالموريتانية عندما يدانُ جهازها الإداري من قِبل قضاتها، وتؤيدذلك مؤسساتها الدستورية، ثم يتم الاعتراف بهذا الحق دولياً؟
ملاذ "المناورات" الواهم
يتردد هنا وهناك حديث عن "طعن لصالح القانون"، وكأنالالتفاف الإجرائي قد يفتح مخرجاً للطوارئ. هذا مجرد سراب؛ ففي القانون الموريتاني، لا يتعدى أثر هذا الإجراء الجانبالفقهي، حيث يهدف حصراً إلى توجيه الاجتهاد القضائيالمستقبلي. إنه لا يمس الحقوق المكتسبة للأطراف، ولا يكسرحجية الشيء المقضي به، ولا يوقف التنفيذ، وبالتأكيد لا يمحوالدين.
لكن الأهم من ذلك هو توقيت إثارة هذا الدفع؛ فإثارته اليوم، بعدثماني سنوات من الحكم النهائي، وست سنوات من قرار المحكمةالعليا، وخمسة أشهر من قرار مجلس الدولة الفرنسي، تجرده منأي مصداقية قانونية. فهذا التوقيت لا يستجيب لضرورةمؤسسية ولا لمتطلبات انسجام القانون.
وفي كل الأحوال، لا يمكن لأي طعن داخلي، مهما كان رمزياً، أنيعيق تنفيذ قرار مكرس الآن في النظام القانوني الدولي بموجبحكم قضائي أجنبي سيادي، مبني على قواعد التعاونالقضائي.
صيغة التنفيذ ليست وساماً.. بل هي رافعة
إن صيغة التنفيذ ليست مجرد رمز، بل هي إمكانية فعلية لاتخاذإجراءات تحفظية وحجز على الأصول غير المشمولة بالحصانةالدبلوماسية: من حسابات بنكية، وديون تجارية، ومنقولات.
لقد مرت دول أفريقية أخرى بهذه التجارب، وهي مواقف لا تنتهيبصمت أبداً؛ بل تتردد أصداؤها في وسائل الإعلام، وتقاريروكالات التصنيف الائتماني، وفي ذاكرة المستثمرين. إن التكلفةالتي تمس سمعة الدولة جراء عملية حجز في قلب باريس تفوقبكثير قيمة الدين نفسه.
هذا هو التناقض الذي يجب على الدولة الموريتانية استيعابأبعاده: القضاء الموريتاني تمت تزكية نزاهته على أعلى مستوىأوروبي، بينما تتماطل الإدارة في تحويل هذا الحكم إلى واقع. وهذا الفارق هو تحديداً ما يراقبه الشركاء الدوليون.
الدفع ليس استسلاماً
إن تنفيذ حكم قضائي لا يذل الدولة، بل هو ما يحدد جوهرها.
"الدولة القوية ليست تلك التي تربح دائماً، بل هي التيتحترم القواعد حتى عندما تدينها."
تزداد وضوح هذه القضية بالنظر إلى أن المجلس الأعلى للفتوىوالمظالم أكد مشروعية الدين، كما صدرت تعليمات رئاسية تقضيبالتنفيذ. المشكلة إذن ليست في الجهل بالحق، بل في البطء. والبطء، في ظل هذا المستوى من الاعتراف الوطني والدولي، ينتهي به المطاف ليبدو كأنه "خيار متعمد".
لحظة الحقيقة
لم تعد قضية "ريمكوم" اختباراً للقضاء، فقد تجاوزت بالفعل كلدرجات التقاضي. إنها اختبار للدولة الموريتانية: هل تريدلأحكامها القضائية أن تكون مجرد نصوص.. أم وقائع ملموسة؟
المصداقية لا تُعلن، بل تُنفذ. ولا يوجد رأسمال أغلى من "الثقةفي قوة القانون"، تلك القيمة التي جعلها رئيس الجمهورية فيقلب مشروعه للحكامة.
