موريتانيا وأزمة الخليج:الحياد الاستراتيجي بين المبادئ والواقع

اثنين, 03/23/2026 - 21:42

لا ريب أن الأزمة الراهنة المتصلة بإيران تتخذ منحى تصادميا على المستويين الإقليمي والنظامي معً، حيث تمتزج تنافسات القوى الكبرى، ومقتضيات الأمن القومي، والإشكاليات القانونية العويصة. فهي أزمة تتجاوز كونها مجرد صراع ثنائي، لتنطوي على أطراف فاعلة متعددة، بدرجات متفاوتة من الانخراط، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وعدد من دول الخليج العربي، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة من جهة أخرى. وتكسب التعددية الفاعلين هده النزاع طابعًا عدم الاستقرار والتطور المستمر.
فمن منظور استراتيجي، تتسم هذه الأزمة بطابع المواجهة غير المتكافئة، إذ تعتمد إيران على أدوات غير مباشرة، كالقدرات الصاروخية، والطائرات المسيرة، والضغط على الممرات البحرية الحيوية، للتعويض عن التفوق العسكري التقليدي لخصومها. في المقابل، تعتمد الولايات المتحدة وإسرائيل على هيمنتهم العسكرية والتكنولوجية التقليدية، بهدف احتواء النفوذ الإيراني، وتأمين المناطق ذات الأولوية الاستراتيجية، ولا سيما طرق إمدادات الطاقة. وهذه الفجوة في القدرات تغذي منطق التصعيد المحكَم، حيث يجري تجنب الصدام المباشر مع عدم استبعاد وقوع مواجهات محدودة النطاق.
ويبرز مضيق هرمز كنقطة محورية في هذا السياق، بصفته ممرا حيويا للتجارة العالمية في مجال الطاقة، إذ أن أي تهديد يطال أمنه أو تعطيل لحركة الملاحة فيه إنما ينعكس بتداعيات تتجاوز الإطار الإقليمي إلى آفاق دولية. وتكشف أهمية هذا الممر عن وشيج العلاقة بين الأمن الجيوسياسي والاستقرار الاقتصادي العالمي، وعن حساسية النظام الدولي المتزايدة تجاه الديناميكيات المحلية للنزاع.
في هذا الإطار، تجد دول الخليج العربي نفسها في موقع توازن قسري، حيث يتعايش قربها الاستراتيجي من الولايات المتحدة مع تقاربها الأمني مع إيران، في وقت تظل فيه معرضة بشكل مباشر لتبعات أي تصعيد. وهذه المحددات المزدوجة تجعل مواقفها هجينة بطبيعتها، تمتزج فيها الاعتبارات الأمنية مع الحيطة الدبلوماسية ودعم مبادرات خفض التوتر كلما دعت الحاجة.
وأما من الناحية القانونية، فلا تزال الأزمة تكتنفها درجة عالية من الغموض، إذ تستحضر جميع الأطراف المبادئ الأساسية للقانون الدولي - سيادة الدول، حظر استخدام القوة، حق الدفاع عن النفس - بيد أن اختلاف التفسيرات يثير جدلا متواصلا، خاصة فيما يتعلق بتكييف الأفعال، ومدى تناسب الردود، وحماية المدنيين والبنى التحتية الحيوية. وفي هذا السياق، يضعف غياب التوافق قدرة الآليات متعددة الأطراف على الاضطلاع بدور رقابي فعال.
إلى جانب الأبعاد العسكرية والقانونية، فإن الأزمة تحدث تأثيرات نظامية بالغة الأهمية، من قبيل تقلبات الأسواق النفطية، واهتزاز التوازنات الإقليمية، وازدياد مخاطر اتساع رقعة النزاع. كما تكشف هذه الأزمة عن محدودية الأدوات المعاصرة لإدارة الأزمات في مواجهة تصاعد الصراعات على نحو سريع، وتعدد الفاعلين سواء أكانوا دوليين أم غير دوليين.
من ثم، يمكن النظر إلى هذه الأزمة بوصفها ظاهرة متعددة الأبعاد، تتشكل من خلال تداخل القوى الأمنية والسياسية والقانونية. وهي تكشف، أكثر من أي وقت مضى، عن صعوبة احتفاظ الدول بموقف الحياد الصارم في بيئة دولية شديدة التداخل والانقسام.
في هذا السياق المتشابك، تبرز موريتانيا بموقف يتسم بالحذر الاستراتيجي ومنطق التكيف، فهي وإن لم تكن طرفا منخرطا بشكل مباشر في النزاع، إلا أنها ليست بمنأى عن تداعياته. وكغيرها من الدول الإفريقية، تتحرك موريتانيا في فضاء دولي ترتبط فيه الخيارات الدبلوماسية ارتباطا وثيقا بالاعتماد الاقتصادي، والشراكات السياسية، والضرورات الأمنية. ومن ثم، فإن موقفها يعكس مزيجا من الضغوط البنيوية والمبادئ القانونية.
رسميا، تتبنى موريتانيا موقفا حياديا حيث تعتمد مقاربة منسجمة مع مبادئ القانون الدولي، كعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، وتسوية المنازعات بالوسائل السلمية. وهذا الموقف يحافظ لها على الاتساق القانوني، ويحد من تعرضها المباشر للصراع.
ويرى بعض المحللين السياسيين أن هذا الحياد يظل نسبيا، لطبيعة العلاقات الوثيقة مع بعض دول الخليج، ولا سيما المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ما يفرض قيودا غير معلنة، إذ أن المساعدات المالية، والاستثمارات، والتعاون الأمني، يمكن أن تؤثر كلها ضمنيا في خياراتها الدبلوماسية، من غير أن تعني بالضرورة انحيازا صريحا.
وبالطيع تعزز الاعتبارات الأمنية الإقليمية هذا النهج الحذر في بيئة الساحل التي تشهد تحديات أمنية متواصلة حيث تركز موريتانيا جهودها على تحقيق الاستقرار وتعزيز شراكاتها الدولية. وأي موقف يمكن أن يهدد هذه التوازنات الدقيقة يصبح محط تجنب.
وأما من الناحية القانونية، فإن موريتانيا تسلك نهجا متحفظا لكنه ثابت، يقوم على تأكيد المبادئ العامة للقانون الدولي، والدعوة إلى خفض التصعيد والحوار، والامتناع عن توجيه الاتهامات الصريحة. وهذا الموقف يمكنها من التوفيق بين الالتزام بالمعايير الدولية وإدارة الضغوط السياسية بطريقة عملية.
وبعيدا عن أي شكل من أشكال السلبية، يمنح هذا الحياد النشط موريتانيا هامشا مهما للتحرك في بيئة إقليمية تتسم بعدم الاستقرار، مع الحفاظ على مصالحها الاستراتيجية ومصداقيتها الدبلوماسية. ففي عالم لم تعد فيه الحيادية المطلقة ممكنة، تبقى القدرة على المناورة الدبلوماسية الحكيمة هي العنوان الأبرز للسياسة الخارجية الموريتانية.